عندما صاغ أشهر فلاسفة القرن السابع عشر صاحب كتاب "خطاب
في المنهج " الفيلسوف الهولندي
" روني ديكارت " مقولته الشهيرة " أنا أفكر.. إذا أنا موجود "
، لم يظن مطلقا أن عملية التفكير هذه قد تصاب بالشلل عند قوم يأتون من بعده يطلق
عليهم إسم النساخ القضائيين ، ولم يخطر بباله أن نظريته ستصل يوما للسادة النساخ
يستدلون بها عكسيا على وجودهم عندما ينهمكون في عملية النسخ .
فإذا كان ديكارت مشهورا بفلسفته التشكيكية وتأملاته الميتافيزيقية
، وتغنيه بالفكر والعقل ، وإعماله ملكة الفكر المتجلية بوضوح في قولته الشهيرة ،
لم يكن يعلم بأن هناك من المهن من هي أكبر عدو لملكة الفكر وأكبر معطل لعمل العقل
ومبطئ للذهن ، فعندما يندس الناسخ وسط الكنانيش المكدسة المتراكمة في أرشيف مغبر ،
وينغمس بين الاوراق المبعثرة ينسخ حرفيا ما هو موجود دون زيادة ولا نقصان ، فإنه
يعطل عقله عن عملية التفكير ويعوده على الخمول والإستكانة إلى الكسل ، فيصبح الذهن
مع مرور الوقت جامدا بدون ناتج ولا إنتاج ، وحتى لو أراد تجاوز الأمر فإنه لا يبقى
له وقت ولا مزاج للدراسة والتمحيص ، وكيف يفعل المسكين وهو يقضي يومه يفك طلاسيم
الخطوط المستعصية ، ويضمن الرسوم المطولة ، وينسخ العقود المستعجلة ، ويبحث في
غيابات الجب وبحر الظلمات عن نسخة بلا مراجع ولا تاريخ ، ناهيك عن قضاء اليوم
مشحون في جو مكهرب ، وفضاء مضطرب متوتر ، ومشاحنات مع العدول ومناوشات مع
المواطنين .
تستحضرني هنا مقالة كنت قرأتها عن الرياضة الفكرية ، حيث اثبث
مجموعة من العلماء انه بما ان عضلات الجسم تحتاج للتمارين الرياضية لئلا تصاب
بالأعطاب والأمراض ، فكذلك العقل والذهن يحتاج إلى الرياضة الفكرية بصفة منتظمة
لحفظه ووقايته من الخمول والتلف ، والمخيف في الأمر أن خلايا المخ إذا أتلف بعضها فإنه لا
يعوض مثل سائر الخلايا .. وهكذا تخسر شيئا فشيئا الكثير من الخلايا بدون تعويض ،
كما أثبثت الدراسة أنه بالإضافة للرياضة الفكرية فإن الصيام أيضا له دور فعال في
الحد من هذه المعضلة ، وقانا الله وإياكم من شرها .
هذا بخصوص " أنا أفكر " ، أما بخصوص " أنا
موجود " فلله الحمد السادة النساخ لم يتوانوا عن إثبات وجودهم بشتى الوسائل ،
والتعريف بالمهنة في كل المحافل النضالية ، وطرق كل الأبواب الموصدة ، وتجشم كل
الصعاب في سبيل قضية النساخة . وزيادة على ذلك نجد مستويات مشرفة عند السادة
النساخ ، بحيث هناك من حصل على الماستر وهناك من حصل على الدكتوراه ، وهناك من
يواضبون على أعمال أدبية وفنية. ومن يكرسون حياتهم لأعمال إنسانية وإجتماعية .
الناسخ رضوان الركراك
.jpg)


