السبت، 8 دجنبر 2012

نقطة للنقاش


هناك عدة أمور عملية في التوثيق العدلي تثير انتباه الكثيرين وقد أثار انتباهي منها مسألة التعريف بشكلي العدلين في النسخة المستخرجة من سجلات التضمين، أو من النظائر المعتمدة قانونا، من طرف الناسخ، وقد بلغ إلى علمي أن عدولا يرفضون التوقيع على النسخة التي لم يُعرِّف الناسخ فيها بالعدلين الموقعين على الرسم الأصلي ولم أتأكد من صحة هذا الخبر، ونفتح بهذا المقال بابا للنقاش الموضوعي والرأي الحر والغلبة بالحجة، ومن الخطأ نتعلم.
فماذا يقصد بالتعريف هنا؟ وماهي الأسس المعتمدة؟ وماهو الاتجاه الأقرب إلى الصواب؟
التعريف بالعدلين المتلقيين للرسم في النسخة المستخرجة منه يقصد بها ذكر اسميهما ولو لم يرد اسمهما في ذلك العقد، ذلك أنه في حالة ذكر الأسماء لايطرح الأمر أي إشكال لأنه من المفروض في الناسخ أن ينقل الرسم بكامله حرفا حرفا من غير زيادة ولانقصان، وسيذكر بالتالي اسم العدلين، لكن المشكل عندما يتضمن أصل الرسم المنتسخ شكل العدلين فقط دون ذكر الأسماء، ففي هذه الحالة الثانية جرى العمل أن يذكر الناسخ اسم العدلين من خلال تعرفه على الأشكال وأسماء أصحابها، حتى تولد عند البعض اعتقادا بوجوب ذكر الأسماء، ولملامسة هذا الموضوع يقتضي منا الأمر التطرق إلى الجانب القانوني ثم الجانب العرفي، وندلي بدلونا تبعا لقناعتنا التي قد تكون لها نسبة من الصحة.

الجانب القانوني:
من خلال استقراء النصوص القانونية المنظمة لكيفية استخراج النسخ، سواء منها تلك الواردة في قانون النساخة رقم 49.00 أو تلك الواردة في قانون العدالة رقم 16.03 وكدا المراسيم التطبيقية لكل منهما لم يشر المشرع المغربي إلى ذلك، ولا أعتقد أن ذلك من باب السهو أو الإغفال، لأنه تحدث بما فيه الكفاية عن شكلي العدلين وعن خطاب القاضي المكلف بالتوثيق ولم يشر إلى الأسماء، وتطرق إلى كل الحالات المحتملة من خلال المادة 35 من المرسوم رقم 2.08.378 التطبيقي لقانون العدالة، ومنع منعا كليا على الناسخ أن يستخرج نسخة من رسم لايتوفر على شكلي العدلين أوعلى خطاب القاضي (المواد 36، 37 و38 من قانون العدالة 16.00) الشيء الذي يتأكد معه أن المشرع يهمه الشكل (الإمضاء) مادامت هذه الأصول ممسوكة بالشروط والكيفيات القانونية، ذلك أنه لم يجز الاعتماد على النظير واستخراج نسخة منه خارج الفترة مابين 01/07/1983 و 16/06/1993 حتى ولو توفرت فيه كافة الشروط الشكلية والقانونية وزيادة.
ومن ناحية أخرى ذكر المشرع البيانات الضرورية التي يجب أن تتضمنها النسخة المستخرجة، فضلا عن النص الحرفي للعقد أو الشهادة المستخرجة من خلال المادة 13 من القانون المنظم لمهنة النساخة، وحصر هذه البيانات في الاسم الشخصي والعائلي لطالب النسخة وتاريخ ومكان ولادته ومحل سكناه ورقم وتاريخ بطاقته الوطنية أو أية وثيقة تثبت هويته، وإلى الطلب الكتابي المؤشر عليه من طرف القاضي، أو الأمر الصادر عنه.
وقد كان من الممكن أن يكتفي المشرع بالقول "يشار في طليعة النسخة إلى طالب النسخة وإلى تأشيرة أو أمر القاضي" بدل قوله "يشار في طليعة النسخة المستخرجة إلى الاسم الشخصي والعائلي ومكان ولادته ومحل سكناه ورقم وتاريخ بطاقته الوطنية، أو أية وثيقة تثبت هويته، وإلى الطلب الكتابي المؤشر عليه من طرف القاضي، أو الأمر الصادر عنه" وهذا دليل آخر على أن القانون المغربي لم يسكت عبثا عن اشتراط ذكر اسم العدلين والقاضي الموقعين على الرسم الأصلي.
ثم إن مصطلح التعريف الذي يروج كثيرا بخصوص هذه النقطة ماأنزل القانون به من سلطان، ذلك أن التعريف ومسطرته معروفة ومحددة بدقة من طرف المشرع والعدول هما اللذان يقومان بذلك وفق المقتضيات القانوني الواردة في المادة 21 من المرسوم.

الجانب العرفي:
كثيرة هي المسائل الشكلية التي يتشبث بها الممارسون للتوثيق العدلي تشبتا مطلقا غير قابل للنقاش على الرغم من أنهم لايجدون لها في القانون مايعضدها بل قد يوجد أحيانا مايخالفها.
 ومنها تلك الخاتمة الطويلة التي يثني فيها العدول على عظمة القاضي ونزاهته، ويختمونها بالدعاء لجاهه وسلطانه، حتى يصير الرسم العدلي أحيانا مثقلا بما يشوه سمعته ويحط من قدره وقدر من كان وراء إنجازه، فمابالك إذا أخذت لهذا الرسم نسخة بنفس الطريقة التي درج عليها جل النساخ، بحيث قد يغفل كاتبها في طليعتها بعضا من البيانات الواردة في المادة 13 أعلاه، ويكثر من أمور أخرى بدون طائل، ثم يضيف خاتمة قد تكون أطول من تلك التي هو مختوم بها في الأصل وهي من طينتها أيضا. فيكون الإشهاد الحقيقي من ثمانية أسطر وأضيفت إليه أذيال بضعف حجمه.
وفي السياق نفسه تكون قضيتنا من صميم الموضوع، حيث يعتقد بعض النساخ والعدول ان ذكر اسم العدلين واسم القاضي مسألة إجبارية في النسخة فيتعب نفسه من أجل ذلك ويفرط في بعض أو أهم النقط الواردة في المادة القانونية المذكورة، ومثال ذلك ان يذكر الناسخ في كل نسخه عبارة "بناء على إذن فضيلة السيد القاضي..." دون تمييزه بين التأشيرة والأمر.

الجانب الواقعي والمنطقي:
إن الواقع العملي الان قد يجعل أحيانا معرفة اسم العدل أو القاضي أمرا شبه مستحيل، لعدة إشكالات نورد منها؛ تشابه بعض الأشكال القديمة خاصة مع عدم وجود الكثير من كنانيش الجيب بالمحكمة، وحتى مع وجود كنانيش الجيب والمذكرات فإن غالبية النساخ يعتمدون على ماتواثر وتوارث فيصدقون مايقوله لهم أقدم ناسخ، وهذا أمر في اعتقادي يتنافى مع مهمة التوثيق الذي من المفروض فيه ان يقوم على اليقين وليس على غالب الضن، وإن كنت أنا شخصيا أهيب بالنساخ القدامى وقوة ضبطهم وحرصهم الفطري.
ثم إن الناسخ الذي يشهد على أن هذا الشكل لفلان الفلاني عدلا كان أو قاضيا مع أنه غير مكتوب عليه يخرج عن اختصاصه المتمثل في نقل الوثيقة وماتحويه كما هي دون زيادة أو نقصان، وهو في هذه الحالة يكون قد زاد عليها وأكد ذلك العدول الموقعين عليها، وماأدراهم جميعا أن ذلك التوقيع صحيح فعلا ومن صاحبه فعلا، وماذا سيضيف تعريفهم بالإسم من عدمه للعقد أو الشهادة، والأولى أن الناسخ والعدلين مسؤولون عن وجود الرسم المنسوخ في سجل من سجلات التضمين، أو النظائر في مابين سنتي 1983 و1993 ومسؤولون أيضا عن تطابق النسخة مع أصلها حرفا حرفا دون زيادة أو نقصان، وأعتقد أن ذكر الأسماء مع عدم ورودها يدخل في باب الزيادة.

وحتى لاأطيل أتسائل وأياكم هل التوثيق محكوم ومؤطر بالقانون، أم مازال أيضا للعرف مكانته؟ خاصة وأن دليل الكثير من السادة العدول والنساخ على كل مستشكل هو ماجرى به العمل؟ وفي هذه الحالة ماذا عند تعارض أحكام القانون الصريحة ومقاصده الواضحة مع المتعارف عليه المعتاد؟
العربي أبوأيوب
ناسخ قضائي بمدينة الجديدة