الثلاثاء، 29 ماي 2012

النساخة..مهنة ضاربة في جدور التاريخ

سؤال كان يحيرني دائما ولا تواتيني الفرصة للبحث والإجابة عنه : من الأقدم تاريخيا ضمن المهن القضائية الحرة ؟ هل النساخة أم مهنة قضائية أخرى ؟ وإلى متى يعود تاريخها ؟.عندما وجه لي مواطن بسيط نفس السؤال عزمت على البحث والإجابة ومشاركتكم النتيجة , فوجدت أن النساخة بمفهومها القديم بدأت منذ إختراع الكتابة (5000 عام ق م) منذ إكتشاف الكتابة المسمارية في بلاد الرافدين عند السومريين والآشوريون والبابليون فدون السومريون بها السجلات الرسمية وأعمال وتاريخ الملوك والأمراء والشؤون الحياتية العامة كالمعاملات التجارية والأحوال الشخصية والمراسلات والآداب والعلوم والأساطير والنصوص المسمارية القديمة والشؤون الدينية والعبادات وشريعة حمورابي التي كانت تضم القانون المدني والأحوال الشخصية
وقانون العقوبات. فانتقلت الحضارة بفضل النساخ المدونين من بلاد الرافدين شرق سوريا والعراق في العصر البابلي القديم إلى جميع أنحاء المشرق وإلى أطراف العالم القديم. حيث ظهرت بعدها الهيروغليفية عند الفراعنة التي كان يسهر عليها نخبة من نساخ الملك المقربون مؤهلة للكتابة السريعة للخطابات والوثائق الإدارية والقانونية. وكانت هذه الوثائق تكتب بالحبر علي ورق البردي. وظلت هذه العملية سائدة بمصر حتي القرن السابع ق.م.وبعد إبتكار الأبجدية عند الفينقيين في حوض البحر الأبيض المتوسط 1100 ق م طور النساخ مهاراتهم وطوروا معها الحروف والنسخ في العصر الإغريقي والتي وجدت لها صيتا واسعا في الحضارة الرومانية عند الغرب. وظل هذا الأسلوب في النسخ اليدوي متداولا حتي أيام العرب حيث كانوا يكتبون كلماتهم فوق الرق والجلد والعظام وعرفت الكتب بالمخطوطات. وفي روما كانت عملية النسخ بعدة طبعات بواسطة النساخ المتعلمين. وفي القرن الثاني م كان الصينيون قد إخترعوا طريقة لنسخ الكتب باختراعهم صناعة الورق عام 105 ق.م (أيام انتشار الديانة البوذية بالصين). وكانت مواد الكتابة وقتها السائدة في العالم الغربي القديم ورق البردي والرق .

في هذا الوقت كانت أمريكا اللاتينية تشهد حضارة (وخطاطون) من نوع خاص للكتابة بالإنكا والأزتك كانت مفيدة في تدوين التاريخ والاتصال في شئون الأعمال وإثبات الملكية للأراضي وحفظ الأنساب.

كما شهد شمال إفريقيا حينها تيفيناغ كانت تستخدم بين الأمازيغ والطوارق،و تعتبر التيفيناغ أبجدية أصيلة بمعنى أن موجدوها لم يعتمدوا على كتابة سابقة لإنتاجه .

وبانتشار المسيحية في أوربا في عهد البيزنطيين والأنكلوسكسونيين كان الإعتماد شبه مطلق على النساخ في تدوين الكتاب المقدس أولا ومختلف الأمور الحياتية الأخرى ثانيا .

لكن الحضارة المذكورة ما لبثت أن عوضت بالعربية السامية المستنبطة من الآرامية عن طريق الأنباط في شمال شبه الجزيرة العربية . ووسع من إستعمالها ظهور الإسلام ونزول الوحي بالعربية الفصحى مما تطلب معه الأمر تكثيف وجود النساخ في هذا المجال ومختلف المجالات الأخرى . وسرعان ما إنتقل الإسلام إلى المغرب وإنتعشت معه مهنة النساخة التي واكبت مختلف الحضارات وواكبت مراحل الدول المتعاقبة على المغرب من الأدارسة حتى العلويين .وتجدر الإشارة هنا إلى الدور الكبير الذي لعبته النساخة عند الأندلس التي أولت عنايتها واهتمامها الكبير للخط والخطاط العربي خصوصا الكوفي والذي برع فيه مبارك مكي أشهر نساخ الفردوس المفقود.

الناسخ رضوان الركراك